ليس غريباً أن يتسلل أي شيء إلى المجتمع العربي من فجوات فتحها العرب بأنفسهم لكل راغب بنتش بعض مما تبقى من إرثنا الثقافي. تسلل اليهود إلى فلسطين فغضب العرب قليلاً وحاربوا قليلاً وقدموا بعض الشهداء...ولكن طفح كيلهم، فهم يريدون العيش وها هم يحيون وما هي بحياة. تسلل الغرب إلى أفواه بعض العرب حتى باتوا يقفون لبرهة ليتذكروا: أنقول ناس أو "ناسات"، وكأن أجدادهم العرب قد اسقطوا سهواً لغة الضاد في غياهب شراويلهم وهم يهمّون باختراع اللغتين الإنكليزية والفرنسية، حتى باتت اللغة العربية عاراً لا تستحق أن يكتب بها أسماء المذيعين والمصورين وسقاة القهوة على بعض الشاشات. ما زال لدينا بعضاً من الإرث الثقافي العربي، وها هو المارد الأميركي يحاول التسلل إليها بمساعدة عربية، كرمى لعيون إسرائيل، وأميركا، وفوكس نيوز.في مجتمع عربي سواده الأعظم مشتاق للتمثل بعدم الانحياز ولو على أنقاض قضيته وثقافته، لم يعد التصدي لمحاولات الغزو الثقافي مجدياً إذ أنه استشرى وبات على العقلاء القلائل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
من منا لم يسمع بالغول، أو المارد، أو الحوت الأميركي، الأسترالي الأصل روبرت موردوك؟ ومن منا لم يسمع بالصراع العربي-الإسرائيلي أو أقله بمجزرة غزة عام 2008؟ وما العلاقة بينهم؟
موردوك، المارد الإعلامي كما هو معروف عنه، يملك مجموعة "نيوز كوربورايشن" التي تضم كل أبواقه الإعلامية من محطة "فوكس نيوز" إلى صحيفة "وال ستريت جورنال" إلى "نيو يورك بوست"، وكلها وسائل معروف عنها مناهضتها للعرب وقضاياهم، وبانحيازها لإسرائيل.
أما غزة، فهي محاصرة منذ سنين وتعرضت لأبشع الجرائم والإبادة الجماعية على يد الاحتلال الإسرائيلي عام 2008. عندها قتل وجرح أكثر من خمسة آلاف مدني فلسطيني بسلاح الفوسفور المحرم دولياً. وعندها أيضاً صرّح موردوك أمام"اللجنة الأميركية اليهودية" في آذار/مارس 2009 بالتالي: "العالم الحرّ يرتكب خطأً جسيماً إنّ ظنّ أن هذه الحرب (على غزة) ليست حربنا كلّنا."
أما اليوم، فقد وجد موردوك لنفسه موطئ قدم ثابت في المجتمع العربي وثقافته وصلب قضيته.
ففي شهر شباط الماضي، اشترت "نيوز كوربورايشن" 9,09 بالمائة من أسهم مجموعة روتانا التي يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال، مع إمكانية مضاعفة نسبة الأسهم خلال فترة ثمانية عشر شهرا. روتانا هي واحدة من أكبر شركات الإنتاج في الجمهورية المصرية وتملك الحقوق الحصرية لمئات الأفلام المصرية.
وقد حذّرت الناقدة السينمائية المصرية علا الشافعي من خطورة الأمر وقالت لوكالة الصحافة الفرنسية إن "موردوك سيدخل كل بيت عربي ليفرض عليه التطبيع مع إسرائيل" وأضافت أن هذه الخطوة من شأنها أن تشكّل "هزيمة للسينما العربية وللفن والإرث العربيين."
من جهته وصف الكاتب المصري المعروف أسامة أنور عكاشة دخول موردوك إلى روتانا بأنه "تسلل عبر حصان طروادة لخرق الثقافة العربية".
ويرى الروائي عزت القمحاوي إن الأهمية لا تكمن في بيع الوليد لهذه الأسهم، "فالشخص الذي يسلّم تسعة بالمائة يمكن أن يبيع ما تبقى من الشركة"، بحسب تعبيره. ويضيف القمحاوي: "نحن اليوم نشاهد حقيقة بيع الأفلام العربية والموسيقى العربية إلى مستثمر تشكل إمبراطوريته الإعلامية واحدة من أسباب تشويه صورة الصراع العربي-الإسرائيلي في الغرب".
وفي خطوة تحذيرية، هددت شركة الأفلام المصرية بوقف تعاملها مع مجموعة روتانا التي يستهدف بثها جمهوراً عربياً في الشرق الأوسط لا يقل معارضة لسياسة موردوك عنها.
معروف عن موردوك مساندته لإسرائيل على مدى عقود، وقد تسلم العديد من الجوائز من منظمات يهودية تقديراً لهذا الدعم.
ومعروف أيضاً عن الأمير وليد في بلاده بأنه تقدمي ومساند للقضايا العربية، ولكنه ليس حاداً في انتقاده لإسرائيل.
في مؤتمر صحافي له في المملكة العربية السعودية لمناسبة شراء أسهم روتانا قال موردوك: "أتمنى أن تهدئ هذه الشراكة من حدة الانحياز ضد العرب في بعض وسائل الإعلام التابعة لمجموعة "نيوز كوربورايشن" مثل "فوكس نيوز". عموماً، "فوكس نيوز" ليست الوحيدة المناهضة للعرب، فهذا مرض أميركي...نحن سنفعل ما بوسعنا للتخفيف من هذه النبرة."
ويبقى السؤال، كيف سيعمل موردوك على تخفيف نبرة فوكس نيوز وباقي أبواقه الإعلامية المناهضة للعرب، هل من خلال "تدجين" العرب في غرف جلوسهم على الطريقة الأميركية، أم بفرض قيود على محطته لتحترم أمة يمتد تاريخها إلى ما قبل اكتشاف أميركا بآلاف السنين.
فلنصلِّ أن لا يجعل العربان الخيار الأول هو الخيار الأسهل للغول الأميركي.
0 comments:
Post a Comment